أبي منصور الماتريدي
133
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أما المعتزلة فقد خالفوا هذا المنهج ، حيث اعتدوا بالعقل اعتدادا كبيرا ، فارتادوا بالمسلمين في فهم العقائد ودرسها طريقا جديدة لم يألفها المسلمون ولا كان لهم عهد بها من قبل . بيد أن ذلك لا يعني أنهم أهملوا النقل أو أنكروا حجيته ، بل كان منهجهم يعتمد على المنقول والمعقول جميعا ، وقد أشار إلى ذلك الأسفرائيني وذكر أنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف وجمعوا بين المعقول والمنقول ، وأقاموا سياجا قويّا من البراهين والحجج المنطقية للدفاع عن العقيدة في مواجهة المخالفين لها والمعترضين عليها « 1 » . ولقد عزا الشهرستاني هذه النزعة العقلية التي امتاز بها المعتزلة إلى تأثرهم بالفلسفة اليونانية ، وإدمانهم النظر في المترجم منها إلى العربية « 2 » . ويقول أحد الباحثين معلقا على ذلك : « وقد ظهر أثر هذا التأثر بوضوح في آرائهم وأدلتهم ومقدمات براهينهم وقد دفعهم إلى ذلك أمران : الأول : أنهم وجدوا فيها - أي في الفلسفة اليونانية - ما يرضي منهجهم العقلي وشغفهم الفكري ، وجعلوا فيها مرانا عقليا جعلهم يلحمون الحجة بالحجة . الثاني : أن الفلاسفة وغيرهم لما هاجموا بعض المبادئ الإسلامية تصدى هؤلاء للرد عليهم ، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل ، وتعلموا الكثير منها ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم » « 3 » . وإذا كان المعتزلة يجمعون في درسهم للعقائد الدينية بين العقل والنقل ، فإنهم يقدمون العقل ويتخذونه أساس المعرفة الأول ، ويرونه قادرا على معرفة كل شيء ما خلا الذات الإلهية ، فلا غرو أن عولوا عليه في النظر في العقائد وأمور السياسة والعلوم المختلفة كالحديث والفقه والأصول . وهم بذلك يختلفون عن الأشاعرة والماتريدية اختلافا كبيرا حيث يقدم هؤلاء الدليل النقلي على الدليل العقلي ، ويرون العقل مجرد أداة لفهم النصوص واستنباط الأحكام
--> ( 1 ) انظر : د / عبد المقصود عبد الغني ، دراسات في علم الكلام ( ص 83 ) . ( 2 ) الفصل في الملل والنحل ( 3 / 57 ) . ( 3 ) منهج الأشاعرة والماتريدية في علم الكلام ، محمد حسن أحمد ، رسالة دكتوراه ، كلية أصول الدين ص ( 76 ) .